تم نقل محتويات الموقع إلى الأكاديمية الجديدة www.amr-ia.com

 

 
بحث في الموقع
تفضل هنا
 
 
 
 
المقال الرابع عشر: تحريم ما أحل الله
مقالات أكاديمية هالة العالمية - المقال الرابع عشر

راجع هذا المقال ووافق عليه:

الشيخ المحدث/ عبد العزيز الطريفي.

الأستاذ الدكتور/ عبد الله آل سيف - أستاذ الفقه بجامعة الإمام بالرياض.

الجرأة على تحريم ما أحل الله تعتبر تعد وظلم عظيم، وإذا كان في قطعيات الدين وضرورياته فهو تشريع من دون الله وهو نوع أعده العلماء كفرا، وقدْ ذَكَرَ الإمامُ الشَّاطِبي أنَّ هذا مِنَ الاعتداءِ[1] لقولِ اللهِ تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]، كماَ أنَّهُ مِنَ الافتراءِ لقولِهِ تعالى {وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} [الأنعام: 140]، ورُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ)، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: ٣١] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟) قُلْتُ: بَلَى، قَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)[2]. فمسألةُ التَّحريمِ شيءٌ صَعبٌ عظيم، تَلحَقُهُ مَسْؤُولِيَّةٌ كبيرةٌ فيِ الدُّنيا والآخِرة، وَلأِنَّ الإِفتاءَ بيانٌ لحُكْمِ اللهِ في مَسألةٍ مُعيَّنة، فإنَّ الذي يُفتي مِنْ غَيرِ عِلْمٍ يُؤَهِّلُهُ فإنه يُعتَبرُ ممنْ تجَرَّأَ وكَذَب علىَ اللهِ تعالى، وكذلكَ يُعتَبرُ مُغوِياً وَمُضِلاًّ لِمَن اتَّبعُوه، وأمَّا الفقيهُ المجتهدُ فلا يمُكِنُهُ الإفتاءُ بشيءٍ حتىَّ يَعلمَ المسألةَ بالتَّفصيل، فالحُكْمُ علىَ الشيءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِه، أيْ لا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ المسألةِ بالكامِلِ حتىَّ يتسنىَّ الحُكْمُ عَليها، وبعدَ ذلكَ فإنَّ المجتهدَ المخطِئَ لهُ أَجْر واحِد، والمجتهدُ المصيبُ لهُ أجران، قال الشيخ ابن عثيمين رحمهُ الله: (فتحريمُ ما أحَلَّ اللهُ لاَ يَنْقُصُ درجةً في الإثمِ عَن تحليلِ ما حرَّم الله، وكثيرٌ مِنْ ذَوي الغيرةِ مِنَ النَّاس؛ تجدُهم يميلون إلى تحريمِ ما أحلَّ اللهُ أكثرَ مِنْ تحليلِ الحرام، بِعكسِ المتهاونين، وكِلاهمُا خطأ، ومع ذلك؛ فإنَّ تحليلَ الحرامِ فيماَ الأصل فيهِ الحِلُّ أهونُ مِنْ تحريمِ الحلال؛ لأنَّ تحليلَ الحرامِ إذاَ لمْ يَتبيَّن تحريمُه فهو مَبنيٌّ علىَ الأَصل وهوَ الحِل، ورحمةُ اللهِ سبحانهُ سبقت غضبه؛ فَلا يمكِنُ أنْ نحرِّم إلاَّ ما تَبيَّنَ تحريمُه، ولأنَّه أضيقُ وأشَدّ، والأصلُ أنْ تبقىَ الأمورُ علىَ الحلِّ والسَّعةِ حتىَّ يَتبيَّنَ التَّحريم. أماَّ فيِ العباداتِ فَيُشدَّدُ؛ لأنَّ الأصلَ المنعُ والتَّحريمُ حتى يُبيِّنَهُ الشَّرع)[3].

ولقد انتشرَ في زمانِنا تحريم البعض للمذاهبِ والطرق الطِبِّيِّةِ الأُخرى المختلفة المنتشرةِ على وجهِ الكُرةِ الأرضِيَّة، والمذاهبُ الطِّبِّيةُ الموجودةُ كثيرة، منها ماَ يتعلَّق بالأدْويَةِ كالطِّبِّ اليُوناني والصيني والهندي، ومنهاَ ماَ يتعلَّقُ بالسُّلوكِ والنَّفس كَخَطِّ الزَّمنِ والبرمجةِ اللُّغويَّةِ العصبيَّة، ومنهاَ ما يتعلَّقُ بالطَّاقةِ والموجات كالعلاج بالمغناطيس والإبرِ الصِّينيَّة والعِلاجِ بالضَّغطِ والمسَاجِ والأَلوان، ومنهاَ ما هو متعلَّقٌ بتمارِينَ رياضِيَّةٍ وعقلِيَّة، وكلَّ يومٍ تَتفتَّحُ عُيُونُنا أكثرُ فنكتشِفُ عِنْدَ البَشرِ مَذهباً طِبَّياًّ جديداً لم نَكُنْ نَعرِفُه.

وبعض ممن هؤلاء الذين يحرِّمون ليسوا بعلماء مجتهدِين، بل بعضهم لمْ يُصنَّف أنه ممن يحِقُّ لهُ الإفتاء، ولَيسَ ذلكَ مِنْ تخصُّصاتهِم، وتراهُم يُفتُونَ في كثيرٍ مِنَ الأشياءِ بِلا علمٍ ولا أهَلِّيَّةٍ ولا أحَقِّيَّة، ومن حرَّمَ ذلك من العلماء المجتهدين تجد أنهم لم يطَّلعوا على ما حرَّموه بشكل مفصَّل، بل حكموا عليه كما عُرِضَ عليهم من بعض الأعوان أو المستفتين بركائز غير صحيحة عن هذا العلم.

فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحرِّمَ أيَّ مذهبٍ أو طريقةٍ حتىَّ يكونَ فقيهاً مجتَهِداً ويعلَمَ بالتَّمامِ والكَمالِ ماهِيَّة هذهِ الطَّرِيقة بِالتَّأصيلِ والتَّفصيل، لا بمجرَّدِ السَّماعِ أو أَخذِ فِكْرة، وَمَنْ أرادَ مِنَ الفُقَهاءِ المجتهدِينَ أنْ يحكُمَ بِشَيْءٍ علىَ هذهِ الطُّرُقِ فعليهِ أنْ يَعمَدَ إلىَ كُتُبِ المسلمينَ التي تَشرَحُ هذهِ الطَّريقة، ثمَّ يُعلِّقُ على ما وَرَدَ فيها بالتَّحريمِ والسَّبَبِ الشَّرعي لِلتَّحريم إن كان يرى حرمتها، أوْ عليه أنْ يحضرَ الجلساتِ العِلاجيَّة بِنفْسِهِ لدى من يُمارسُها من المسلمين؛ ثم يُفتي هُناكَ بماَ هُوَ حرامٌ ولماذا.

أماَّ ماَ يتقوله غيرُ الفُقهاءِ المجتهدينَ فهذا إَفكٌ وافتِراءٌ واعتِداءٌ على اللهِ سبحانهُ وتعالى وعلى دينِه. والمتأمِّلُ لحالِ هؤلاءِ المحرِّمين يَجِدُ عِندَهُم من أسباب تحريمِ المذاهب الطبية الأخرى ما يلي:

1)-     أنهَّم وَجدُوا شيئاً جديداً علَيهم ولمْ تَتَقبَّلهُ عُقولهُم بأنَّ هذا قَدْ يكونُ عِلاجاً أو سبباً كونيا للعلاج، فَلأِنَّ عُقولهَم لمْ تَقبلْهُ حرَّمُوهُ شَرعاً، وعقولنا ليست بمعيار، فكم من أشياء استنكرتها عقول أجدادنا غدت الآن حقائق علمية واضحة.  فمثلاً مسارات الطاقة الحيوية في جسم الإنسان والتي يعتمد عليها نظام الإبر الصينية منذ آلاف السنين (6000 سنة)، لم تُثبت حقيقتها إلا في القرن الماضي بعد اختراع جهاز قياس فارق الجهد الكهربائي واستعماله على الجسم.

2)-     بعضهم قد يتقبلون الفكرة الجديدة عليهم، لكنهم يدَّعون أنه لم يثبت لديهم بالتجربة أن هذه أسباب كونية للعلاج فيُحرِّمونها، وفي الحقيقة هذا سببه أنهم هم لم يجروا عليها أبحاثاً كافية، وبدلاً من طلبهم البحث والإثبات فإنهم يسارعون إلى الإنكار والتحريم.

3)-     أنَّه مخالِفٌ للمذْهَبِ الطَّبي السَّائدِ والمعمولِ بهِ لديهِم ألاَ وهوَ الطَّبُّ الغَربي أو ماَ يُسمَّى بالطِّبِّ الحديث، فيرون أن الطب الحديث حجة على ما سواه، وكل شيء ينكره المنتسبون للطب الحديث فلا يقبلون به، وهذا كلام لا يُقبل شرعاً ولا عقلاً، فالطب الحديث خصمٌ للمذاهب الطبية الأخرى، فكيف يكون أيضاً حَكَماً وقاضياً، بل يجب إلى الاستماع لجميع الأطباء العدول من جميع المذاهب الطبية والاطلاع على تجاربهم وحججهم للفصل والحكم بينها.

4)-     وتحجَّجَ بعضهم أن أصل هذه المذاهب الطبية مبني على عقائد فاسدة، وما بُني على باطل فهو باطل، والجواب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: نقول كيف عرفتم أنَّ هذه المذاهب الطبية أصولها عقائد فاسدة؟ لا يوجد غير جواب واحد، وهو أنهم رجعوا إلى بعض المراجع لهذه المذاهب والتي ألَّفها وثنيون فوجدوا أنَّ بعضهم ذكر أنَّ أصول هذه المذاهب وثنية، وبناءً على كلام هذا الوثني الذي ألَّف المرجع؛ بنى المنكِرُ حكمه أنَّ هذا المذهب الطبي أصله وثني، لكن هل هذه الطريقة صحيحة في الإفتاء؟ هل كلام هؤلاء الوثنيين أمر يقيني تُبنى عليه الأحكام الشرعية؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نصدِّق الإسرائيليات ولا نكذبها[4]، ولذا لا يجوز لنا بناء أي حكم شرعي على ما نقرأه من الإسرائيليات، فكيف بمن يصدق كلام الوثنيين ويبني على ذلك أحكاماً شرعية؟ هذا والله أشنع وأشد جرما من تصديق الإسرائيليات. إنَّ ما نقرأه من أصول عقائدية لهذه العلوم والمذاهب الطبية ليس من الشرط أنْ يكون هذا هو أصلها فعلاً، فقد يكون لها أصل صحيح غير مرتبط بعقائدهم لكنَّه حُرِّف مع الزمن، مثل ما حدث مع التوراة والإنجيل، أصلهما وحي من الله وكلامه، ثم تم تحريفهما من قِبل البشر، فهل يدل تحريفهما على أنَّ كُلَّ شيء فيهما باطل وأنَّ أصلهما فاسد والعياذ بالله تعالى ربي سبحانه وتقدَّس وتنزّه سبحانه عن هذا القول. بل إنَّ القرآن تم تأويله بمعانٍ وتفسيراتٍ فاسدة وشركية من قِبَل بعض الفرق الضالَّة؛ فهل يعني ذلك الطعن في صحة القرآن حاشاه كلام ربي عن أي نقص أو طعن، فلا يمكِنُ التسليم بتاتاً بأن هذه المذاهب الطبية المختلفة أصلها فاسد أو أنَّ مصدرها عقائد باطلة.

الوجه الثاني: لو افترضنا صحة كلامهم بأنَّهم استقوا هذه العلوم والمعارف من شياطين وعبادات شركية ووثنية، ففساد المصدر ليس من الشرط أن يكون مؤدياً إلى فساد المعلومة، بل إنَّ الشيطان لعنه الله لما علَّم أبا هريرة t قال له: (دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا)، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: (مَا هُوَ؟)، قَالَ الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}  [البقرة: ٢٥٥]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ)؛ فإنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يستنكر هذه المعلومة وصدَّها لأنَّ مصدرها الشيطان، ومعلوم أنَّ الشيطان عدو مبين لبني آدم، كما أنه حريص على إغواء الإنسان وإيقاعه في حبائله، وتزيين البدع والمنكرات للمؤمنين، بالرغم من كل ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستنكر المعلومة لأنها في أصلها صحيحة، ولذلك أقرَّها صلى الله عليه وسلم وقال لأبي هريرة رضي الله عنه (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ)[5]، فالأصل في العبادات إقرارها من قِبلِ الرسول صلى الله عليه وسلم، والأصل في العلوم الدنيوية ثبوتها عن طريق التجربة المنضبطة بالشرع مهما كان مصدرها، والناظر في التاريخ يرى أن علماء المسلمين قد أخذوا بعض العلوم الدنيوية المفيدة وطوروها رغم قراءتهم أن أصلها يشوبه كفر وفساد، فالطب اليوناني يُقالُ أنَّه يعود إلى آلهة الإغريق مثل أبوللو (يُدعى بإله الشفاء) وابنه اسكلِبْيوس (يُدعى بإله الدواء)، لكن هذه الادعاءات لم تمنع المسلمين من تعلُّم الطب اليوناني بعدما اكتشوا أنَّه عبارة عن حقائق علمية ثبتت عن طريق التطبيق، وأصبح العالم الإسلامي لأكثر من ألف سنة معتمداً على نظرياته في علاج البشرية (وقد تحدث عنه ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد وغيره في خصائص الأدوية) حتى ظهور الاستعمار والطب الحديث. بل إنك لو تمعنت النظر إلى علامة الثعبان والكأس الموجود على الصيدليات والأدوية الآن لعلمت أن الطب الغربي لم يخلُ كذلك من عقائد وأصول فاسدة، فهذا العصا يقال إنها لأسكِلِبْيُوس إله الدواء عند الإغريق، والجناحان رمز للطيران لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ اسكلبيوس مراسل بين آلهة السماء وبين البشر. كذلك لو طبقنا قاعدة ما بني على باطل فهو باطل على الطب الغربي الحديث لبطل تماماً بالكامل لعلمنا يقينا أنه قائم على إنكار أشياء مسلَّمة عُرِفت بالتواتر عبر التاريخ البشري؛ وثبتت لدى الكثير بالتجربة والبرهان لكنَّ أجهزة الطب الغربي لم تستطع اكتشافها فأنكرها، والصواب أنَّ كلَّ ما تثبتُ فائدته سواء من طبٍّ قديم أو حديث نأخذه ونعمل به، وما يثبت خطؤه نرده ونتجاهله، وكذلك الطب الغربي يقول أن الدماغ هو الأصل عند الإنسان وليس القلب! وهذه مخالفة صريحة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يعتبرون أن كل عضو أو جهاز في الجسم مستقل بذاته فأسسوا التخصصات المنفصلة لدراسة كل عضو، وهذا أيضا مخالفة صريحة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الجسم كله مرتبط ببعضه فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد! فما قول المحرمين للعلوم الشرقية بالطب الغربي بعد هذا البيان؟!

5)-     زعم بعض المحرِّمين أنَّ هذه العلوم الطبية تبحث في الغيبيات، وهذا لا يجوز، فنقول لهم عرِّفوا لنا ما هي هذه الغيبيات شرعاً، ثم اشرحوا لنا كيف أنَّ هذه العلوم الطبية تبحث في هذه الغيبيات، أنا لم أجد في المذاهب الطبية المتفرِّقة التي قرأت عنها ما يبحث في أي شيء غيبي، بل كلها أمور ملموسة محسوسة، عَلِمَها البعض وجهلها آخرون، ويمكن تعليمها لأي شخص يريد ذلك، بل ويمكن صناعة أجهزة حديثة للقياس بأنظمة وطرق المذاهب الطبية الأخرى، وقد يستغرق ذلك وقتا للصناعة لعدم توفر بعض التقنيات الحديثة بعد.

6)-     ذهب آخرون إلى أنَّ كل هذه العلوم الأخرى مجرد تخيلات وخداع من الجن والشياطين، يعني فقط أوهام وخرافات ولذا حرَّموها، فنقول لهم على ما بنيتم قولكم هذا؟ هل هنا تجارب أكَّدت لكم ذلك أم مجرد أوهام وتخيلات منكم أنتم؟ ثم لماذا لم تقولوا مثلا أنَّ مهدَّئات الآلام الموجودة في الصيدليات عبارة عن تلبيس من الجن وإيحاء وليس بتخدير فعلي كما تزعمون مع العلوم الأخرى؟ ما هي معاييركم للتفريق بين تخييل الشيطان وخدعه وأوهامه وبين الحقائق العلمية والأسباب الكونية؟ وضِّحوا لنا هذه المعايير ثم لنطبقها على الطب الحديث وعلى جميع المذاهب الطبية الأخرى.

7)-     وجد بعض المحرِّمين بعض الأخطاء العقدية أو الشرعية في المذاهب الطبية الأخرى، وبدلاً من إيضاح هذا الخطأ فإنه قام بتحريم وتجريم هذه العلوم كاملة، وهذا لا يُعقل ولا يجوز، الطب الحديث لم يخل من أخطاء عقدية أو شرعية، لكن لم يجز لنا تحريمه بالكامل، فهناك من يعتقد الشفاء في بعض الأطباء، أو في بعض الأدوية، وهذا شرك بالله لأن الله تعالى هو الشافي والأطباء والأدوية مجرد أسباب علاجية، لكننا هنا نحرِّمُ هذا الخطأ العقدي وحده ولا نحرِّم الطب الحديث كله، كذلك المستشفيات في العالم مختلطة باختلاط غير جائز شرعا بين الرجال والنساء، وأصبح الأطباء الرجال يكشفون على المرضى النساء ويلمسونهم بلا ضرورة، وكذلك أصبح الطبيبات يكشفن على المرضى الرجال ويلمسونهم بلا ضرورة، وكثير من الأطباء يختلون بممرضتهم خلوة غير شرعية، فهل هذه الأخطاء الشرعية تسوِّغُ لنا تحريم الطب الحديث كله، أم تجعلنا نطالب الأطباء بتجنب هذه الأخطاء الشرعية فقط بلا تحريم لكامل العلم والطريقة؟ نفس الشيء يُقال عن المذاهب الأخرى، فيجب تحديد الخطأ العقدي أو الفقهي وتجنبه، وليس تحريم كامل المذهب الطبي، وذلك كما قام النبي صلى الله عليه وسلم رفض الرقية الشركية فقط من رقى الجاهلية ولم يحرم رقى الجاهلية كلها لأجل الشرك الذي فيها، بل دعاهم لتجنب الشرك الذي فيها فقط.

8)-     العلم لم يصل إلى ذروته حتى الآن ليثبت كل شيء، فالعين والحسد والمس والسحر لم يستطع العلم حتى الآن تشخيص هذه الحالات الكثيرة! ولكن هناك طرق يعرفها المتخصصون بالرقية وفي هذا المجال فيستطيعون بإذن الله معرفة الأعراض والرؤى وغيرها فيعرفون التشخيص، وكذلك علم الطبائع والأمزجة لا يوجد حتى الآن جهاز يكشف الأمراض وطبيعة الإنسان مثل الخبراء في هذا الطب الذين يستخدمون أصابع أيديهم في ساعد المريض لمعرفة جميع أمراضه وعلله وطبعه! فحتى الآن لم يستطع الإنسان اختراع هذا الجهاز الذي يشخص التشخيص الدقيق أو يعرف طبعه ومزاجه مثل أصابع الإنسان الخبير! (وهو علم الطب العربي أو الطب اليوناني منذ آلاف السنين) فلم يصل العلم إلى ذروته للحكم على الأمور بشكل يقيني، بل هناك تجارب يُبنى عليها وقد لا يُعرف لها الدليل العلمي، فكل ما ثبت (بعلم أو بتجربة) فهي معتبرة ما لم تخالف شريعتنا الإسلامية.

 

ملحوظة:

من يقرأ في بعض المراجع يجد مثلاً القول (الطاقة الإيجابية من إله الخير والطاقة السلبية من إله الشر)، فنرى الكاتب الوثني أقر في هذه الجملة معلومتين، المعلومة الأولى أن هناك إلها للخير وإلها آخر للشر، والمعلومة الثانية أن الطاقة بنوعيها منسوبة إلى هذين الإلهين، لكن من التناقضات العجيبة لدى من حرَّمَ المذاهب الطبية لزعمه أن أصولها شركية؛ أنَّه يكذِّبُ الكاتب في إقراره بالإلهين في المعلومة الأولى لأنه لا إله الله إلا وحده لا شريك له، لكنَّ هذا المحرِّم يصدق الكاتب في نسبة هذه الطاقة إلى آلهتهم كما في المعلومة الثانية، والصحيح إِماَّ أن تصدِّق الجملة كلَّها أو تكذبها كلها، أَماَّ أن تكذِّب بعض كلامهم لأنه مخالف للعقيدة، وتصدِّق كلاماً آخر لأنه وافق هواك فهذا لا يجوز، فالواجب القول أنَّ (كلامهم كله خطأٌ؛ ويجب التأكد بشكل علمي تطبيقي عن طريق التجربة ماهية هذه الطاقة وفوائدها).


 

[1]- الاعتصام للشاطبي، الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما، فصل تحريم ما أحل الله من الطيبات تدينا أو شبه التدين.

[2]- رواه الطبراني في المعجم الكبير.

[3]- القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين، شرح باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا.

[4]- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا} [البقرة: 136] الآية)، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن.

[5]- صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلا، فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز. والحديث بالكامل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: واللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ)، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ صلى الله عليه وسلم--: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ)، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: ٢٥٥]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (مَا هِيَ؟)، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: ٢٥٥] ، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا [أي الصحابة] أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)، قَالَ: لاَ، قَالَ-صلى الله عليه وسلم-: (ذَاكَ شَيْطَانٌ).