تم نقل محتويات الموقع إلى الأكاديمية الجديدة www.amr-ia.com

 

 
بحث في الموقع
تفضل هنا
 
 
 
 
المقال الثاني عشر: لم يبطل سحر عائشة رضي الله عنها بمجرد القراءة
مقالات أكاديمية هالة العالمية - المقال الثاني عشر

نص حديث سحر عائشة رضي الله عنها:

وردت رواية صحيحة في موطأ الإمام مالك أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  كَانَتْ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا عَنْ دُبُرٍ مِنْهَا [أي تُعْتَق حين وفاة عائشة رضي الله عنها]، ثُمَّ إِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَكَتْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَشْتَكِيَ، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ سِنْدِيٌّ، فَقَالَ لَهَا أَنْتِ مَطبُوبَةٌ [أي مسحورة]، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: وَيْلَكَ، مَنْ طَبَّنِي؟ قَالَ: امْرَأَةٌ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا، فَوَصَفَهَا، وَقَالَ: إِنَّ فِي حَجْرِهَا الآنَ صَبِيًّا قَدْ بَالَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: ادْعُوا لِي فُلانَةً جَارِيَةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا، فَوَجَدُوهَا فِي بَيْتِ جِيرَانٍ لَهُمْ فِي حَجْرِهَا صَبِيٌّ، قَالَتْ: الآنَ حَتَّى أَغْسِلَ بَوْلَ هَذَا الصَّبِيِّ، فَغَسَلَتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: أَسَحَرْتِنِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَتْ: أَحْبَبْتُ الْعِتْقَ، قَالَتْ: فَوَاللهِ لا تُعْتَقِينَ أَبَدًا، ثُمَّ أَمَرَتْ عَائِشَةُ ابْنَ أُخْتِهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الأَعْرَابِ مِمَّنْ يُسِيءُ مَلْكَتَهَا، قَالَتْ: ثُمَّ ابْتَعْ لِي بِثَمَنِهَا رَقَبَةً، ثُمَّ أَعْتِقْهَا، فَقَالَتْ عَمْرَةُ: فَلَبِثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَا شَاءَ اللهُ مِنَ الزَّمَانِ، ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنِ اغْتَسِلِي مِنْ آبَارٍ ثَلاثَةٍ يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضا، فَإِنَّكِ تُشْفَيْنَ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةَ الَّذِي رَأَتْ، فَانْطَلَقَا إِلَى قَنَاةٍ، فَوَجَدَا آبَارًا ثَلاثَةً يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَاسْتَقَوْا مِنْ كُلِّ بِئْرٍ مِنْهَا ثَلاثَ شُجُبٍ[1] حَتَّى مَلأوا الشُّجُبَ مِنْ جَمِيعِهَا، ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى عَائِشَةَ، فَاغْتَسَلَتْ فِيهِ فَشُفِيَتْ[2].

 

فوائد من الحديث:

1-   استطاع رجل أتى إلى عائشة رضي الله عنها أن يُشخِّص المرض أنه سحر، واستطاع أن يخبر من سحرها وعن حالها، وقد ذهب الشراح إلى أنه ربما كان مستعينا بالجن وأنه دخل على عائشة رضي الله عنها ولم تذهب هي إليه. لكن نتساءل نحن، هل كان رجلاً عنده علم ما من العلوم الدنيوية ما يدله على المرض وعلى الساحر. كما أنه ليس في الحديث تبيين إن كان تكلم بمجرد دخوله أم قام بالتشخيص أولاً مثلما فعل الملكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2-   التعرف على حالة الجارية الحالية بأن يصف أن طفلاً بال عليها لحظة وجود الرجل عند عائشة رضي الله عنها غالباً يكون أخذه عن طريق الجن أو القرين، لكن نلاحظ هنا فائدة مهمةً وهي أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تتخذ إجراءً مباشراً حتى تأكدت من الجارية صحة ذلك، والفائدة أن لا نأخذ كلام الجن ومن يستعين بهم على محمل الجد واليقين حتى نتأكد بأنفسنا.

3-   مع أن الرجل استطاع أن ينجح في التشخيص، إلا أنَّهُ فشل في علاج السحر، فظلت عائشة رضي الله عنها مريضة مسحورة حتى رأت الرؤيا العلاجية واغتسلت بمياه الآبار، وهذا دليل أن المستعين بالجن قد يفشل في العلاج، ونجاحه في التشخيص ليس ضماناً على نجاحه في علاج المرض.

4-   علاج السحر هنا اختلف عن علاج سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يلزم هنا الذهاب إلى السحر واستخراجه، وإنما تم قطع موجات السحر عن طريق الاغتسال بمياه الآبار، فلماذا؟ لا نعلم جواباً جازماً، لكن يمكن توقع التالي:

·         كما أنَّ الاستخراج والإبطال يعالج المسحور، فإن قطع الموجات عن طريق الاغتسال كذلك يعالجه. والمريض مخير بين الطريقتين.

·         ربما بعض الأسحار لا بد من استخراجها وإبطالها، وبعضها يكفي الاغتسال للخروج من تأثيره، والمريض هنا ليس مخير وإنما يعتمد على نوع السحر.

·         ربما كان سحر عائشة رضي الله عنها مائيا، فكان الاغتسال بالماء نافعا لها.

·         الأقرب للصواب (وقد ثبت بالجربة) أن سحر أمنا عائشة رضي الله عنها كان من أثرها، ومياه الآبار تبطل سحر الأثر.

5-   المداواة بالاغتسال من الآبار الثلاثة، وقد تم شرح الطريقة بالتفصيل في فصل علاج  السحر. ويُلاحظُ هنا كذلك أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تُبْطِل السحر بالرقية ولا بتلاوة القرآن.

6-   ما ذهب إليه الإمام مالك وغيره من العلماء أن المُدَبَّرَ وهو العبد أو الجارية الذين اعتبرهم سيدهم عتقاء بموته، هؤلاء يجوز تغيير هذا القرار عليهم وبيعهم.

نص حديث سحر أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها:

رُويَ كذلك في موطأ الإمام مالك بسند فيه ضعف لانقطاع أَنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا، سَحَرَتْهَا. وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا. فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ[3].

لأَنَّ هذا الحديث ضعيف أوردته من باب عدم الاستغراب، وهناك روايات أخرى قد تقوي هذا الحديث، يهمنا أنَّ في هذا الحديث والذي قبله تسلية لعامة المسلمين، وخاصة لنساء المسلمات الذين يتضررن من السحر المعمول من خادماتهن، وكذلك للمدراء وأصحاب الأعمال ممن يُسحرون من قبل الموظفين لديهم. فها هو أذاهم قد طال أمهات المؤمنين، فاصبروا واحتسبوا شفاكم الله وعافاكم.

مسألة:

 صَحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ( اقْرَءُوا الْبَقَرَةَ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)[4]، كما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم قوله (مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سَمٌّ، وَلاَ سِحْرٌ)[5]، لكنَّ الملاحظ أنِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُرْوَ عنه قراءة القرآن لفك سحره، وكذلك عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وكذلك لم يرد عنهم استعمال الرقية للعلاج من السِّحر، والجمع بين هذه الأحاديث يقضي بأن سورة البقرة والعجوة ليستا بعلاج للأسحار التي أصابتهم، وإنما وقاية وحفظ قبل الوقوع، ولو كانت العجوة وسورة البقرة وكذلك الرقية علاجاً للسحر لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضوان الله عليهم أول الناس في الاسترقاء وأسرعهم إلى كتاب الله، ولكن الأحاديث تدل على أنهم لم يعرفوا العلاج حتى أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الملكين، وحتى رأت عائشة رضي الله عنها الرؤيا. ونستفيد من هذا أنَّ الرقية أو تلاوة القرآن لا يكفيان لإبطال الأسحار، وثبت بالتجربة أنَّ الرقية وسورة البقرة قد يبطلان سحر الجسد ويخرجانه (المأكول، المشروب، المشموم)، لكنهما لا يبطلان الرموز أو ما وُضِع في الحيز، وثبت بالتجربة كذلك أن الرقية وسورة البقرة يخففان آثار السحر مؤقتاً، لكن ما أن يتخلى عنهما المسحور إلاَّ ويقوى السِّحر، ويبقى الحال كذلك حتى يُبطَل السِّحر كليا. وهنا نرى من يظن أن جميع الأسحار تبطل بمجرد الرقية والتلاوة فهو مخطئ، بل فهم فهماً خلاف فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلاف فهم عائشة رضي الله عنها.

 

ملحوظة: قد يقول قائل أن المعوذات لم تنزل إلا بعد أن سُحر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ويُمكِنُ قراءتها للتخلص من السِّحر، والجواب أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تفهم بمثل هذا الفهم، ولم تعالج سحرها بالمعوذات، والرسول صلى الله عليه وسلم قرأ المعوذات على السِّحر لإبطاله بعد إحضاره أمامه.


 

[1] في لسان العرب الشَّجْبُ: السِّقاءُ الَّذِي أَخْلَقَ وبَلِيَ، وصارَ شَنّاً، أي آنية للسقيا قديمة.

[2] موطأ الإمام مالك.

[3] موطأ الإمام مالك.

[4] صحيح مسلم.

[5] رواه البخاري في صحيحه.